حيدر حب الله
43
حجية الحديث
ومن خلال ما تقدّم يظهر رجحان ما ذهب إليه السيد الصدر في عدم قبليّة قاعدة نفي الأكثريّة « 1 » ، كما أنّ ما يقوله الصدر هنا صحيح من أنه لو كان مرجع القضية المتواترة إلى قياس ، فلماذا يختلف حال اليقين سرعة وبطئاً - بل شدّةً وضعفاً أيضاً - باختلاف حال المفردات الاحتمالية ، كما في التمييز بين ألف راوٍ ثقة وألف راوٍ مجهول الحال ، مما يكشف لنا عن أن اليقين إنما يخضع لنظام تراكم الاحتمالات لا غير « 2 » . ولعلّ العودة إلى جهود العلماء المسلمين في التواتر تؤكّد لنا أنّهم وإن كانوا عقليين في فهمه الا أنهم لمّا مارسوه تعاملوا معه بروح استقرائية ، كما سنرى في الشروط والعوامل المساعدة على حصول اليقين فيه ، وربما لهذا وجدنا بعضهم يعبّر بأنّ تخلّف الخبر المتواتر إنما هو محال في العادة ، ولم يجعله من المحال العقلي ، كما تقدّمت بعض نماذجه ، فإنّ أحد المعاني المحتملة لهذه الكلمة هو كون الفهم الاستقرائي كامناً في تفكيرهم لدى وعيهم لقضية التواتر . هذا ، وقد يقال بأنّه ليس البحث في حقيقة تولّد اليقين من التواتر ترفاً فكرياً ، بل هام جداً ؛ لأننا عندما نحّدد آليات التعامل معه ، فنحن نخضعه للحسابات الدقيقة ، وطبعاً قدر المستطاع ، وبهذا نحدّ من فوضى ادعاء التواتر الموجودة في كتب المسلمين ، وقد قال السيد الصدر فيما يتصل بهذه النقطة : نرى من المناسب التكلّم في الخبر المتواتر لتشخيص كيفية إيجابه العلم وتحصيل الميزان الفني له ، ولو في الجملة ، لكي يؤدي إلى اتخاذ الاختيارات المناسبة في فروع بحث التواتر الذي انساقت كلماتهم إليه عرضاً من التواتر الإجمالي والمعنوي ، فإن تلك الاختيارات سوف تكون أكثر سداداً وصواباً حينما
--> ( 1 ) وهذا هو بالضبط ما نريد الانتصار له هنا ، وليس تمام تفاصيل مشروع الصدر المعرفي . ( 2 ) راجع : الأسس المنطقيّة للاستقراء : 84 - 87 ؛ ودروس في علم الأصول ، الحلقة الثالثة : 200 - 201 ؛ وانظر ما يتصل بالموضوع في : محاضرات تأسيسيّة : 118 ؛ وقد سجّل الصدر سلسلة مناقشات على أصل هذا الموضوع في الأسس المنطقيّة للاستقراء ، فراجع ص 67 - 88 .